المخاطر الأمنية المرتبطة بالمناخ / د.حسن الجنابي وزير الموارد المائية



إن ارتفاع معدلات حرارة سطح الأرض، إنْ لم تكن بحد ذاتها تهديداً مباشراً ومحسوساً، وهذا ما اعتقده صحيحاً، فانها وبدون شك تضاعف من حجم المخاطر المألوفة الأخرى، وتزيد من تعقيداتها وشدة تأثيرها في مناطق عديدة من العالم ومنها منطقتنا، وتعيق تحقيق أهداف التنمية المستدامة (SDGs) في بلداننا، وعلى وجه التحديد الأهداف: الأول والثاني والسادس والثالث عشر والخامس عشر، وإن الإخفاق بذلك يؤدي الى المزيد من الفقر، والنزوح، وانعدام الأمن الغذائي والمائي، وانتهاك حقوق الإنسان، وخاصة ضد النساء والأطفال والفئات الأكثر هشاشة في ظروف عدم الاستقرار. إن انحباس الأمطار والاستخدام غير المستدام للموارد المائية، يفاقم مشكلة ندرة المياه، واستنزاف موارد الأرض الساندة للحياة، ويسبب النزوح والهجرة، ولاشك أن أدراج الأمم المتحدة تحتفظ باحصائيات مخيفة عن أعداد النازحين والمهاجرين لأسباب اقتصادية-بيئية، وبالرغم من أن أعداد الذين ابتلعتهم البحار والمحيطات غير معروفة، لكن أسباب هجرتهم المميتة يعرفها جميع الحاضرين في هذه القاعة وخارجها، وهي الفقر والحروب وعدم الاستقرار وانعدام وسائل العيش الكريم الناتجة عن انتشار التصحر، والاحترار المناخي، وفقدان التنوع الأحيائي، أي التحديات التي عقدت من أجل مكافحتها ثلاثة اتفاقيات دولية مهمة وهي: اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة التصحر (UNCCD) والاتفاقية الإطارية للتغير المناخي (UNFCCC) واتفاقية التنوع البيولوجي (CBD) وغير ذلك من الاتفاقيات الدولية والاقليمية منذ اعلان ريو دي جانيرو الى يومنا هذا.
لقد نشأت الحضارات البشرية الاولى في أحواض الأنهار الكبرى في مختلف القارات، ومنها وادي الرافدين دجلة والفرات، وكان لمياه الرافدين بوفرتها وعذوبتها الدور الاكبر في بزوغ فجر الحضارة السومرية العريقة، وهكذا فعل نهر النيل العظيم في أرض مصر. 
لذلك فمن المقلق أن أحواض الأنهار الكبرى، في الشرق الأوسط على وجه التحديد، تتعرض الى ضغوط وإجهاد كبيرين، ناتجة في شقها الأول عن التغيرات المناخية، وفي شقها الآخر عن التنافس على الاستخدامات والسيطرة على الموارد المائية المشتركة، في ظل انعدام اتفاقيات ثنائية أو متعددة الأطراف فاعلة، أو أطر اقليمية للاستخدام المنصف والمعقول للمياه المشتركة، أو نابعة من عدم الاكتراث بتطبيق مبادئ القانون الدولي ومرجعياته المعروفه، بما يؤمن حقوق جميع الدول المتشاطئة.
إن هذا يفاقم المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويشدد حدة الاضرار السلبية لظاهرة التغير المناخي، التي أدت، حسب ملاحظاتنا، الى إنحسار حوالي (25 %) من الساقط المطري أو الغطاء الثلجي في أعالي الأحواض النهرية، علما أن الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ (IPCC) كان قد توقع انخفاض هطول الأمطار والثلوج بنسبة تتراوح بين (10 %) إلى (60 %) في حوضي دجلة والفرات، وهذه بالطبع تترجم إلى انحسار مماثل في تدفق النهرين، مترافقاً مع زيادة الطلب على المياه المشتركة لأسباب شتى، منها النمو السكاني والاحتياجات الاقتصادية المختلفة، ويتمخض ذلك عن منافسة غير منصفة لدول المصب، وفي وضع سياسي وأمني ملتبس كما هو الحال في الشرق الأوسط، فان العزوف عن التعاون وعدم احترام الاستخدامات القائمة، والاجحاف بالحقوق المائية، يمثل تهديداً حقيقياً للسلم والاستقرار. 
إن التأثير المركب للتغيرات المناخية، وتشغيل السدود الكبرى، أدى -على سبيل المثال- الى انخفاض معدل ايرادات نهر الفرات بنسبة (50 %) خلال العشرين عاماً الأخيرة، وتغيير نمط الجريان الطبيعي ومواسمه، كما إن التغيرات المناخية أدت الى تقلص الغطاء الاخضر، واشتداد التصحر، فارتفعت معدلات درجات الحرارة في بغداد وجنوب العراق بحوالي (1.5) درجة مئوية على الأقل، وهذا يمثل فقدان ما لايقل عن (15 %) من انتاجية الأرض، حسب تقديرات منظمة الأغذية والزراعة للامم المتحدة (FAO)، وخروج مساحات أخرى عن الاستخدام نتيجة ندرة المياه، او تحويلها الى أراض هامشية. وتشير تقديراتنا الى أن ما يقرب من (90 %) من الاراضي العراقية الخصبة تأريخيا، مهددة بدرجات متفاوتة بالتصحر الناتج عن الاحترار المناخي وشح الإيرادات المائية، وينطبق الشيء نفسه على دول المنطقة، ولهذا فقد لجأت مصر، وكذلك العراق هذا العام، الى تقليص المساحات المزروعة ومنع زراعة بعض المحاصيل التي اعتاد السكان على زراعتها منذ فجر التاريخ، بسبب ندرة المياه، وهذا تحد عصيب للتقاليد الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، لانماط سائدة ومستقرة بل ومتجذرة، وتمثل حلقة حرجة في النظام الغذائي، تمس حياة ملايين السكان.
إن التغير المناخي، واستنزاف الموارد المائية، يقضيان على خصوبة التربة فتتحول الى أرض جرداء، سترغم اية مجموعة بشرية على الهجرة الى أماكن أخرى، قد لاتقل قسوةً، بسبب انعدام القدرة على التكيف، والهشاشة الناتجة عن العيش على ما تتيحه الأرض من كلأ وعشب ومزروعات، تعتمد بدورها على مياه تتناقص مع الوقت أو هطول أمطار شحيحة بدأت انماطها وتوقيتها يتغير، والأخطر في ذلك هو أن نزوح سكان الريف، وهم منتجو الغذاء عادة، يسبب خسارة مضاعفة، أي نقصان في عدد منتجي الغذاء من جهة، وزيادة في عدد السكان غير الآمنين غذائياً من جهة أخرى.
إن من الإنصاف قيام المجتمع الدولي بالتدخل الايجابي الوقائي لتعزيز قدرة البقاء والاستقرار ومقاومة التغيرات القاسية في المعطيات الحياتية المعتادة في المناطق الهشة، أو الأكثر تعرضاً للتغيرات المناخية، أي في دعم برامج التكيف مع تغيرات المناخ، لان ذلك، ليس مطلوباً فحسب، بل هو أقلّ كلفة من محاولات إسكان المهاجرين بيئياً او اقتصادياً، أو إعادة تأهيل أراضيهم المهجورة، التي قد يكون أصابها ضرر دائم لايمكن معه استرجاع خصائص التربة الخصبة، ومن الواضح يستحيل إعادتهم الى مواطنهم الأصلية، أوتعويض خسائرهم، هذا إضافة الى أن الاجراءات الوقائية أو الاستباقية تسهم في تجنب المآسي الانسانية التي تتحمل وزرها الاكبر النساء والأطفال والفئات الاجتماعية الضعيفة، فضلاً عن كون العديد من الاجراءات المطلوبة واجبة قانوناً على الدول الاعضاء في اتفاقية مكافحة التصحر، أو الاتفاقية الإطارية حول التغير المناخي، إضافة الى الالتزامات الواردة في أهداف التنمية المستدامة لعام 2030.
إذا كان لابد من إعطاء مثال، فإننا نجد في تدهور بيئة الدلتا العراقية عند ثغر الخليج، والممر المائي الشهير المعروف بإسم “شط العرب”، الموضع التاريخي الافتراضي لأسطورة السندباد البحري وجنة عدن في الكتب والأديان المقدسة، مثالاً صارخا على التحول القسري من نظام ايكولوجي للمياه العذبة، غني بالتنوع الاحيائي ومتميز بخصوبة الأرض، وبغابات كثيفة لأشجار النخيل، الى بيئة للمياه المالحة نتيجة لزحف مياه البحر، نتيجة انحسار الايرادات المائية العذبة القادمة من مجاري الانهار التي تصب فيه منذ القدم، ولاشك فان نفس المخاطر تتهدد دلتا النيل أو أحواض الأنهار في لبنان وسوريا وغيرها، مما يهدد بدفع الملايين تحت خط الفقر.
قد يكون واجبا التذكير بالموقع الذي بزغ فيه فجر الحضارة السومرية العريقة، وهو تكوين ايكولوجي فريد، تكوّن عبر الأزمنة نتيجة التقاء الانهار الكبرى في وادي الرافدين عند ثغر الخليج، وتشكل منذ القدم كتكوين مائي هائل على تخوم الصحراء، هي المسطحات المائية المعروفة بالأهوار (Mesopotamian Marshlands) التي كانت تغطي مساحة تربو على (15) الف كيلومتر مربع، استمرت معها أنماط الحياة السومرية القديمة الى يومنا هذا بدون انقطاع كالذي شهدته الحضارات العظيمة القديمة في مصر أو شبه القارة الهندية وغيرها، وأنشأت على حوافها المدن التاريخية العظيمة أور (UR) وأريدو (Erido) والوركاء (Uruk) وغيرها.
إن هذا الموقع العظيم، تعرض الى جريمة تجفيف متعمد في عهد نظام الحكم الدكتاتوري الذي أطيح به عام 2003، لكن الحكومات المتعاقبة فيما بعد التزمت بإنعاش الأهوار، وقد استعيد جزء مهم من الإرث البشري في ذلك الموقع، وأدرج في تموز 2016 على لائحة التراث العالمي، وهو اليوم يتعرض الى جفاف تدريجي بسبب تغيرات المناخ وتحويل مجاري الأنهار او استنزاف مياهها، وقد حملني أحفاد السومريين من سكان الأهوار ومربو الجواميس، دعوتهم للمجتمع الدولي للعمل على انقاذ بيئتهم المائية ونمط حياتهم، والحفاظ على التراث الانساني، وإن هذا ممكن في حال احترام المحددات والاتفاقيات الدولية المعنية، وتحقيق الحدود الدنيا للجريان البيئي، الذي يحفظ التنوع الاحيائي ويحمي طرائق الحياة القديمة والتقليدية التي تسمح باستدامة الاراضي الرطبة.
كذلك لايسعنا إغفال الإشارة الى التدمير الذي أحدثه الإرهاب في المنشآت المدنية والمائية على وجه الخصوص، والإرهاب ظاهرة عالمية وليست محلية. وبغض النظر عن الاجتهادات المختلفة لتفسير ظاهرة الارهاب المتفشية في مناطق عديدة، فان عدم الاستقرار، والهشاشة الاقتصادية والاجتماعية تسهم في انتشار التطرف والتزمت والانتقام، وهذه بحاجة الى مقاربات مختلفة تسهم في إطفاء البؤر الساخنة والتي تنذر بالانفجار، وندعو الى اعتبار اجراءات التكيف مع التغير المناخي باعتبارها جزءا من مقاربات الحلول للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ونعتقد إن الهدف الثالث عشر من أهداف التنمية المستدامة المتعلق بالتغيرات المناخية ذو ميزة خاصة للمنطقة.
وأخيراً فقد حملت رسالة من قبل الحكومة العراقية مفادها إن العراق يسعى نحو السلم والتنمية واتباع مقاربة التعاون المشترك بين الدول المتشاطئة، لتقاسم المنافع أوالأضرار بعدالة وانصاف، وبما أن التغير المناخي ظاهرة عالمية لا تتوقف عند الحدود السياسية، فان المقاربات الاقليمية الشاملة، التي تستند على مبادئ القانون الدولي، والمبادرات التي تتبع وسائل دبلوماسية لحل المشكلات بين الدول المتشاطئة مثل “دبلوماسية المياه” و “أمن الكوكب” كسبيل لابتكار سياسات وبرامج ذكية مناخياً وبيئياً، تجنّب المنطقة والعالم مخاطر التوتر وعدم الاستقرار، وتعزز الانتصار على الارهاب والإسراع في إعادة إعمار البنى التحتية للقطاعات المختلفة، وتعزيز اجراءات التكيف مع التغيرات المناخية، والاستدامة في إدارة واستخدام الموارد الطبيعية.
•نص الكلمة التي القاها الدكتور حسن الجنابي في مجلس الأمن الدولي

المصدر : https://www.iraqakhbar.com/1307361