كلمة السيد وزير الموارد المائية د.حسن الجنابي خلال أفتتاح أعمال المؤتمر الرفيع المستوى حول تقييم أثر تغير المناخ والذي اقيمت فعالياته في العاصمة اللبنانية بيروت

معالي السادة الوزراء المحترمون ...
السيدات والسادة الحضور الأفاضل ...
بدءا اتوجه بالشكر والتهنئة الى اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي أسيا-اسكوا، وجامعة الدول العربية ممثلة بالمجلس الوزاري العربي للمياه، والشركاء من المنظمات الدولية والحكومتين السويدية والألمانية لمساهمتهما في تمويل هذا المبادرة، والى خبراء الدول العربية لمناسبة إطلاق التقرير العربي حول تقييم تغير المناخ الذي صدر عن المبادرة الإقليمية لتقييم أثر تغير المناخ على الموارد المائية وقابلية تأثر القطاعات الاجتماعية والاقتصادية في المنطقة العربية (ريكار (RICCAR.
من دواعي السرور ان استلم هذا التقرير الشامل بالنيابة عن المجلس الوزاري العربي للمياه، وبحكم الاختصاص والاهتمام والوظيفة، فان سعادتي مضاعفة لاكتمال هذا العمل المتخصص في تأثيرات التغيرات المناخية في منطقتنا، واعتبره اثراءا واضحا لمكتبتنا العلمية، ومدخلا علميا رصينا لدراسات وتطبيقات اضافية، سواءا على صعيد منطقة الاسكوا او الصعد الوطنية، لتدقيق الافتراضات والمخرجات والتوصيات، وطامحا أن تجد نتائج التقرير وتوصياته طريقها للتطبيق على الأرض، لتسهم في مساعدة الدول العربية في جهود التكيف مع أثار التغير المناخي على المدى الطويل.
السيدات والسادة الحضور ...
ان الاستغلال المفرط للموارد الحيوية اللازمة لتحقيق لتحقيق التنمية، واهمال المحددات الفيزيائية والبيئية ادت الى بروز تحديات عالمية في طبيعتها، ومحلية واقليمية في انعكاساتها المباشرة والمحسوسة، وان اي نظرة متفحصة للواقع ستجد انها تمثل خلفية الاحداث الكبرى التي تشهدها مناطق العالم المختلفة وفي المقدمة منها احداث منطقتنا العربية، اذ ان استعصاء تحقيق التنمية المستدامة، وانتشار التصحر والعوز والفقر واستنزاف الموارد وسوء توزيع الثروة، وعجز الترتيبات والاطر السياسية التقليدية، الاقليمية منها والوطنية، وتجاهل الحاجات الحقيقية والاساسية للمجتمعات العربية، وتوقها نحو التحرر والانعتاق ادت الى اضعاف القدرات على مواجهة التحديات الكبرى ومنها التحدي المناخي وصعوبات التكيف مع الظواهر المرتبطة به فضلا عن محاولة التغلب على تلك الصعوبات، دون اغفال حجم المخاوف من فشل الجهود العالمية بشأن اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ واتفاق باريس، واعاقة العمل لايقاف الاحترار المناخي عند مستويات معقولة في نهاية القرن.
ان منطقتنا ليست معزولة او محصنة عن دائرة التأثر بهذه التغيرات بل ان الموقع يضعنا في مواجهة صعوبات كبرى في قطاعات المياه وإنتاج الغذاء، وهي قطاعات بطبيعتها الهشة اكثر عرضة لتأثيرات الاحترار المناخي والظواهر المرتبطة به، ان تأثير ذلك محسوس رغم عدم وجود دراسات تفصيلية، قبل اطلاق هذا التقرير، عن انعكاسات ذلك على الموارد المائية في حيث زادت موجات الجفاف والحر، وستطالت فترات انحباس الأمطار وقلة تساقط الثلوج ، مضاف الى ذلك ما تواجهه بعض الدول العربية التي تتشارك في مواردها المائية مع دول أخرى غير عربية، ولم تستطع لغاية ألان من عقد تفاهمات واتفاقيات طويلة الأمد لضمان الاستغلال العادل والمنصف والمعقول لهذه الموارد بين الدول المتشاطئة.
ان هذا العمل كمبادرة إقليمية لتنفيذ الإستراتيجية العربية للأمن المائي لمعالجة المتطلبات المستقبلية للتنمية المستدامة للفترة 2010 – 2030، في إطار عملية تقييم الأثر، تم إنشاء نطاق عربي لوضع إطار لتطبيق النماذج المناخية الإقليمية، حيث تستند توقعات تغيُّر المناخ التي تُجرى في المبادرة الإقليمية اياها إلى إثنين من أربع مسارات سميت مسارات التركيز التمثيلية (RCPs) وهي السيناريوهات التي وضعتها الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيُّر المناخ واستخدمتها في تقريرها التقييمي الخامس، وتستند التوقعات المناخية الإقليمية الواردة في هذه الوثيقة إلى مسار التركيز التمثيلي، المعبر عنه بسيناريو الحالات المتوسطة (4.5RCP) ومسار التركيز التمثيلي للسيناريوهات الاسوء (8.5RCP). 
حيث أظهرت النتائج التي توصلت إليها ريكار فيما يتعلق بدرجات الحرارة ارتفاعاً يتراوح بين 0.3 - 3.4 درجة مئوية لكلا المسارين في منتصف الى نهاية القرن .
اما بخصوص التساقط المطري فيمكن رصد الاتجاهات التنازلية في معظم أنحاء المنطقة العربية خلال النصف الأول من هذا القرن. حيث يلاحظ تراجعاً في متوسط الساقط المطري الشهري بمقدار 8 ملم في جبال الأطلس في إطار سيناريو الحالات الأسوأ في منتصف القرن، وفي نهاية القرن يُظهر تراجعاً في معدل الساقط الشهري يتراوح ما بين 8 - 10 ملم في المناطق الساحلية المشمولة في النطاق، لا سيما في محيط جبال الأطلس غرباً، وفي أعلى أحواض نهري دجلة والفرات شرقاً، كما تعكس مؤشرات الساقط المطري المتطرفة تفاوتاً كبيراً بين منطقة وأخرى مقارنة مع التفاوت الذي تظهره مؤشرات درجات الحرارة المتطرفة.
ولابد لي من الإشادة بجهود المجلس الوزاري العربي للمياه، الرامية الى وضع سياسات واستراتيجيات فعالة للتعاطي مع هذه الظاهرة، وأهمها إستراتيجية الأمن المائي في المنطقة العربية لمواجهة التحديات ومتطلبات التنمية المستدامة، وهي آلية للعمل المشترك أعدها نخبة من خبراء الدول العربية واعتمدت في القمة العربية التي عقدت في بغداد 2012، حيث بينت أهم التحديات التي تواجه الموارد المائية في المنطقة العربية ووضعت في مقدمتها تأثير ظاهرة التغيرات المناخية، ودعت الى تطوير البحث العلمي في هذا المجال على المستوى العربي وخصوصاً في تطوير السيناريوهات المرتبطة باحتمالات التغيرات المناخية ومديات تأثر المنطقة العربية بها كونها من المناطق الهشة وما يرتبط منها بتكرار فترات الجفاف والفيضانات ودراسة انعكاس ذلك على الموارد المائية.
ومن منبركم هذا ندعو الجميع الى العمل على إيجاد سياسات واستراتيجيات فعالة للتكيف مع تغير المناخ والتخفيف من آثاره تستند في أساسها على النتائج الواردة في هذا التقرير إضافة الى الخطوات التالية :
- التواصل والتعاون مع الدول المتشاطئة في الانهار الدولية التي تجري في منطقتنا العربية لتحسين الاتصال والتعاون مع جيراننا في أعلى الانهار الدولية والاتفاق على انشاء منظومة لتبادل المعلومات والبيانات حول المياه المشتركة وكذلك أدارة المخاطر الطبيعية كموجات الجفاف والفيضانات وسيسمح لدولنا ان نكون على اطلاع بشأن الخطط والإجراءات المتخذة في الجوار الجغرافي للتكيف مع الظروف المناخية المتغيرة .
- الانضمام للاتفاقيات والمبادرات الخاصة بالتغير المناخي وأهمها اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ UNFCCC باعتبارها احد أهم الوسائل القانونية والفنية لمجابهة ظواهر التغير المناخي.
- الحفاظ على الاراضي الرطبة وحماية الغطاء النباتي كاجراء فعال لمنع زحف التصحر، ولنا في مثال مهم في اعادة انعاش اهوار بلاد الرافدين في الجنوب وهو مشروع يخدم مجالات مزدوجة تتعلق بإستراتيجية التخفيف من آثار تغير المناخ ويتوافق مع التوسع في الغطاء النباتي الذي يكون بمثابة موقع مهم لامتصاص ثاني اوكسيد الكربون والمساعدة على تحسين الظروف المناخية المحلية في تلك المناطق والأماكن القريبة منها.
وفي الختام اكرر شكري الجزيل لجميع الحاضرين متمنياً لهم الموفقية الدائمة وتحقيق التطور والنجاح ...